الحوسبة الكمومية والبيتكوين: ماذا حدث هذا الأسبوع؟

تحوّل موضوع الحوسبة الكمومية والبيتكوين إلى خبر عاجل في الأسبوع الممتد من 10 إلى 17 أكتوبر 2026. نشرت يوروبول تقريرين في 7 أكتوبر، ثم تبعتها أرقام وبيانات من Glassnode وCoinbase وGoogle وتحالف صناعي جديد. الخلاصة الأولى أن الخطر صار مطروحًا بجدية، لكنه لا يعني أن أحدًا يستطيع كسر البيتكوين اليوم.

بحسب تقرير نقلته منصة BIT، تحدد يوروبول نقطة الضعف الرئيسية في المفاتيح التي تتحكم في المحافظ، لا في الشبكة نفسها. وتحذّر من أسلوب يُعرف بعبارة «اجمع الآن وفك التشفير لاحقًا»، أي أن يجمع مهاجم البيانات اليوم ليفك تشفيرها حين تنضج التقنية.

ما يميّز هذا الأسبوع هو تزامن الإعلانات من جهات مختلفة خلال أيام قليلة. وهذا المقال يفصل ما هو مؤكد من الأرقام، وما هو تقدير، وما يبقى مفتوحًا.

السعر هنا خلفية فقط. كان سعر البيتكوين نحو 82,035 دولارًا صباح يوم الجمعة وفق CoinGecko، أي أقل بنحو 35% من قمته القياسية البالغة نحو 126 ألف دولار، بحسب تقرير crypto.news. وكانت نشرات قد تناولت الهبوط دون 80 ألف دولار في مقال سابق.

لماذا تُعدّ المفاتيح العامة نقطة الضعف؟

يعتمد أمان البيتكوين على تشفير المنحنى الإهليلجي، وهو نوع من الرياضيات يصعب عكسه بالحواسيب التقليدية. تعمل المنظومة عبر ثلاثة عناصر:

  • المفتاح الخاص: رقم سري يوقّع به المالك معاملاته، ولا يجوز أن يطّلع عليه أحد.
  • المفتاح العام: يُشتق من المفتاح الخاص، ويُستخدم للتحقق من صحة التوقيع.
  • العنوان: تجزئة (hash) للمفتاح العام، وهو ما تشاركه مع المرسل لتستقبل به العملات.

ويبرز هنا الفرق الحاسم. بحسب تقرير Spendnode، لا يظهر المفتاح العام على السلسلة إلا بعد أن ينفق العنوان أموالًا. قبل ذلك تبقى العملات خلف طبقة التجزئة.

لذلك يميّز الباحثون بين العملات «المكشوفة»، وهي التي ظهرت مفاتيحها العامة على السلسلة، وبين عملات لم تظهر مفاتيحها بعد. وعلى هذا الأساس، فالعنوان الذي أُنفق منه سابقًا يدخل ضمن الفئة المكشوفة. ولفهم أساسيات هذه العملات قبل التفاصيل التقنية، يمكنك قراءة شرح مقال نشرات عن كيفية عمل العملات الرقمية المشفرة.

الأرقام المتداولة: لماذا تختلف؟

تداولت وسائل الإعلام عدة أرقام لحجم البيتكوين المعرّض للخطر، وهي لا تقيس الشيء نفسه. يلخّص الجدول التالي ما ورد في كل مصدر:

الجهة الرقم ما الذي يقيسه
Glassnode (9 أكتوبر) نحو 6.26 مليون BTC عناوين تظهر مفاتيحها العامة على السلسلة
Bitcoin Magazine (7 أكتوبر) 6.90 مليون BTC، أي 34.45% من المعروض المعروض المكشوف الخام
Coinpaprika نحو 30.2% من إجمالي البيتكوين، منها نحو 1.1 مليون مرتبطة بساتوشي ناكاموتو نسبة من إجمالي العملة في عناوين مكشوفة
المجلس الاستشاري المستقل لـ Coinbase نحو 7 ملايين BTC قد تواجه شكلًا من التعرض المستقبلي، منها نحو 1.7 مليون في عناوين P2PK تقدير لأشكال متعددة من التعرض المستقبلي

يعود جزء كبير من الفرق، على الأرجح، إلى اختلاف التعريف: هل يُحسب المعروض المكشوف فقط، أم يُضاف إليه ما قد يتعرض لاحقًا؟ وهل تُقدَّم النتيجة بعدد العملات أم بنسبة من إجمالي البيتكوين؟ لذلك لا تُقارن هذه الأرقام ببعضها قبل الاطلاع على منهجية كل جهة.

وننبّه إلى أمر آخر: لم نتمكن من فتح التقارير الأصلية مباشرة، وأغلب الأرقام منقولة من تقارير ثانوية. ويُتداول كذلك رقم 2.3 مليون بيتكوين «المعرّض بلا حل»، إلا أن مصادر مختلفة تنسبه إلى أصول متباينة، إذ يربطه موقع AltcoinBuzz بورقة من Google، بينما يربطه دليل Shattered بدراسة على arXiv. لم نتحقق من النسبة، لذلك لن نعتمد على هذا الرقم هنا.

ما الذي أعلنته Google وما الذي لم تعلنه؟

في 15 أكتوبر قالت Google Quantum AI إن معالجها Willow يُحضّر ما يُعرف بـ«الحالات السحرية» (magic states) بعدد أخطاء أقل بنحو 40 مرة، ونُشر العمل في مجلة Science. وبحسب تغطية موقع Coindoo، يتعلق الإعلان بمكوّن واحد داخل آلة كمومية قادرة على تصحيح أخطائها، وليس بنظام يستطيع استعادة مفتاح خاص لبيتكوين. وتصف تغطية TFTC النتيجة بأنها خطوة على طريق البيتكوين المقاوم للكم، لا نهايته.

معدات تبريد مختبرية نحاسية تحيط بشريحة معالج كمومي داخل منشأة بحثية
صورة توضيحية لمعدات مختبرية مشابهة لتلك المستخدمة في أبحاث الحوسبة الكمومية، وليست صورة لجهاز بعينه من Google.

أما التقديرات الأخرى فتحتاج قراءة حذرة. ففي ورقة صدرت عن Google Quantum AI في مارس 2026، يُقدَّر أن كسر منحنى secp256k1 الذي يعتمد عليه البيتكوين قد يحتاج أقل من 500 ألف كيوبت فيزيائي، أي نحو واحد من عشرين من التقديرات السابقة.

وفي دراسة على arXiv لعام 2026، يُقدَّر الهجوم الأساسي بنحو 1,200 إلى 2,330 كيوبت منطقي، بينما تصل أكبر الآلات العاملة اليوم إلى نحو 100 كيوبت منطقي، بحسب دليل تقني من Shattered، وهو مصدر غير رسمي.

ولا تُجمع هاتان الوحدتان ولا تُقارنان مباشرة. فالكيوبت الفيزيائي هو العنصر المادي في الشريحة، أما الكيوبت المنطقي فيُبنى من عدة كيوبتات فيزيائية ليحمل معلومة مع تصحيح أخطائها. وهذه كلها تقديرات، لا آلة جاهزة.

توصية Coinbase وتحالف الصناعة: ماذا يتغيّر؟

في 13 أكتوبر نشرت Coinbase ورقة موقف تحثّ مطوّري البيتكوين على البدء الآن بالانتقال إلى توقيعات مقاومة للحوسبة الكمومية. لكن الورقة لا تحدد موعدًا نهائيًا، ولا تذكر آلية لتفعيل التغيير، وترى Coinbase أن الانتقال لم يُنفَّذ بعد.

وفي 15 أكتوبر أعلنت تسع شركات بلوكتشين تأسيس Quantum Alliance لبناء معايير أمنية مفتوحة لما بعد الحوسبة الكمومية. غير أن أغلب أعضائه المؤسسين مشاريع عملات بديلة، وليسوا في الغالب من المساهمين في Bitcoin Core، وهو البرنامج الرئيسي الذي يُطوَّر عبره البيتكوين. أي أن النقاش حول المعايير لا يجري داخل المجموعة التي تطوّر البيتكوين نفسه بصورة مباشرة.

ولا يعني ذلك أن التحالف بلا قيمة، بل يعني أن طريق الانتقال لم يتضح بعد. فإذا اتضح، سيتحول السؤال من «هل يمكن كسر التشفير؟» إلى «متى تُفعَّل الترقية، ومن يقودها، وكيف تنتقل المحافظ إليها؟»

هل البيتكوين آمن من الحوسبة الكمومية اليوم؟

الجواب المختصر أن البيتكوين غير معرّض لكسر فعلي اليوم، بحسب الإجماع المنقول في تقارير الصناعة، فلا حاسوب كمومي قادر على ذلك حاليًا. أما التوقيت فمحل خلاف بين الباحثين. ولا يوجد جدول زمني موثوق لظهور حاسوب كمومي قادر على كسر التشفير المستخدم في البيتكوين، فالتقديرات متباينة، وإنجازات Google الأخيرة خطوات على طريق طويل.

من هنا يكتسب مفهوم «اجمع الآن وفك لاحقًا» أهميته. فالخطر لا يتعلق بلحظة واحدة، بل بعملات وبيانات تبقى مكشوفة لسنوات، ويمكن أن تُستخدم حين تصبح التقنية متاحة. وتدعو Coinbase إلى البدء الآن، أي أنها ترى الانتقال مهمة تحتاج وقتًا.

ماذا يعني هذا للمستثمر السعودي؟

لم نجد حتى كتابة هذا المقال بيانًا من أي جهة تنظيمية سعودية بشأن مخاطر الحوسبة الكمومية على العملات الرقمية، ولا نعرف إن كانت ستعلّق على الموضوع. لذلك فما يلي قراءة تحريرية لما هو متاح، وليس توجيهًا رسميًا.

الإطار القانوني للعملات الرقمية في المملكة، وما هو مسموح به حاليًا وما هو قادم، يشرحه مقال نشرات عن قانونية العملات الرقمية في السعودية. ويُلاحَظ أن بعض المصادر العامة تحمل إشارات مختلطة، فموقع Mitrade يصف العملات الرقمية بأنها «ليست عملة قانونية»، مع أنها متاحة للتداول عبر منصات مرخصة.

ما الذي يستطيع حامل البيتكوين فعله اليوم؟ الجواب العملي أقل مما يتوقعه البعض:

  • لا توجد خطوة رسمية منشورة لعموم الحاملين حتى الآن، ولم تعلن أي جهة سعودية أو منصة تداول خطوة انتقال للمستخدمين العاديين.
  • تنصح بعض الأدلة التقنية الخارجية بمراجعة العناوين التي ظهرت مفاتيحها العامة، لكنها تعليقات وليست تعليمات رسمية.
  • اسأل منصتك أو مزوّد محفظتك عن خطتهم بشأن ما بعد الكم، ودوّن الرد.
  • لا تشارك مفتاحك الخاص أو عبارة الاسترداد مع أي جهة تعرض «حماية كمومية» أو «ترقية» مقابل مال أو بيانات.
  • تحقق من ترخيص المنصة قبل أي إيداع، وقد شرحنا ذلك في مقال هل منصة العملات الرقمية مرخصة في السعودية.

هذا المقال لا يقدم توصية استثمارية، فقرار البيع أو الاحتفاظ يعتمد على ظروف كل شخص وأهدافه.

ما الذي تراقبه في الأشهر المقبلة؟

ثلاث إشارات تستحق المتابعة. الأولى هل ستضع مجموعات تطوير البيتكوين موعدًا أو آلية تفعيل للانتقال، فهذا ما تفتقده توصية Coinbase حتى الآن. الثانية هل ستصدر جهات تنظيمية موقفًا واضحًا، ولا توجد مؤشرات بعد على ذلك. والثالثة هل ستُنشر التقارير الأصلية، من تقرير يوروبول إلى ورقة Google في Science، لتُقرأ الأرقام بعيدًا عن الملخصات الصحفية.

قبل أن تبني أي قرار على هذه الأخبار، ارجع إلى المصدر الأصلي، وتأكد أن الرقم يعني ما تظن أنه يعنيه. كثير من الضجيج في هذا الأسبوع يأتي من الخلط بين «ما يمكن كشفه» و«ما يمكن كسره»، وهما ليسا الشيء نفسه.

|