حكم الحلف بالطلاق لا يُعرف من اللفظ وحده، بل من قصد الحالف. فإن أراد المنع أو التأكيد دون أن يريد وقوع الطلاق، فالفتاوى المتاحة تعدّه يمينًا تُكفَّر. وإن أراد أن يقع الطلاق فعلًا عند وقوع الشرط الذي علّقه عليه، فله حكم آخر. في هذا المقال نشرح الفرق بين الحالتين، وكيف تُحسب الكفارة، ولماذا يتكرر هذا السؤال في البيوت.
تداولت وسائل مصرية خلال الأيام الأخيرة فتاوى عن الزوج الذي يكرر هذا الحلف، ومنها ما نشره اليوم السابع عن أمين الفتوى في دار الإفتاء المصرية. ونبّه قبل التفصيل إلى أمر مهم: لم نجد في الأيام السبعة الماضية بيانًا سعوديًا رسميًا جديدًا في هذه المسألة، لذلك تعتمد الفتاوى السعودية الواردة هنا على مواد منشورة سابقًا، ولم نتمكن من التحقق من تواريخها الدقيقة.
ما الذي يحدد حكم الحلف بالطلاق؟
الحلف بالطلاق صيغة يقولها الزوج لمنع نفسه من فعل شيء، أو لحثّ نفسه عليه، أو لتأكيد كلامه. ومن أشهر صيغه قول الحالف «علي الطلاق»، كما وردت في الفتاوى المتاحة.
الخلاف الفقهي هنا قائم، ويدور حول سؤال واحد: هل يقع الطلاق المعلَّق عند تحقق الشرط، أم أن الصيغة تُعد يمينًا؟ وقد قال أمين الفتوى المصري في فتوى سابقة إن لفظ «علي الطلاق» لا يقع به طلاق، بل هو يمين قوي كفارته كفارة يمين، وذلك في فتوى منشورة على موقع البلد.
أولًا: حدّد ما قصدته من الحلف
قبل أي حكم، اسأل نفسك بصدق عن مقصدك حين قلت الحلف. وتقوم الفتاوى السعودية المتاحة على هذا التقسيم:
- هل أردت المنع أو الزجر، أي أن تمنع نفسك من فعل شيء؟
- هل أردت التأكيد على كلامك دون أن تريد الطلاق؟
- هل أردت وقوع الطلاق فعلًا إن حصل الأمر الذي علّقته عليه؟
يعدّ الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ الحلف بالطلاق يمينًا إذا قصد الحالف به المنع لا وقوع الطلاق، ويُكفَّر عنه كفارة يمين، كما في فتوى منسوبة إليه على موقع af.org.sa. أما الشيخ ابن باز فيفصّل في الحالات كما سيأتي.
حكم تكرار الحلف بالطلاق بين الزوجين
يسأل كثيرون عن الزوج الذي يكرر الحلف بالطلاق على كل صغيرة وكبيرة. وقد تكرر في الفتاوى المصرية التحذير من هذه العادة، لأنها قد تفضي إلى الطلاق فعلًا، كما ينبّه أمين الفتوى في الفتاوى التي نشرها اليوم السابع.
فصّل الشيخ ابن باز في حالة الحلف بالطلاق الثلاث، فقال إن كان القصد التأكيد لا إيقاع الطلاق فحكمه حكم اليمين. وإن أراد الحالف إيقاع الطلاق فعلًا عند وقوع الشرط، فتقع طلقة واحدة، وله المراجعة بشهادة شاهدين ما دامت في العدة، بحسب فتوى ابن باز عن الحلف بالطلاق لمنع النفس من شيء.
أما فتوى منشورة على إسلام ويب فتنقل أن تكرار الحلف بالطلاق ثلاث مرات فأكثر بقصد الطلاق يجعل الزوجة بائنًا بينونة كبرى لا تحل له إلا بعد زوج آخر، وذلك في فتوى عن تكرار الحلف بالطلاق وتكرار الحنث. وينبغي أن تُفهم هذه المسألة بوصفها قول الفتوى المنقولة، لا حكمًا محل اتفاق.
في المقابل، يُنسب إلى ابن تيمية رأي يخالف الرأي الغالب، وهو أنه إذا كانت النية المنع والزجر فلا يستدعي الحنث الطلاق، كما في فتوى على إسلام ويب عن تكرار الحلف بالطلاق. ولهذا لا يُعرض أيٌّ من هذه الآراء بوصفه الرأي الوحيد، والحكم يتبع النية والألفاظ معًا.
كفارة اليمين إن كان المقصود اليمين فقط
إن كان مقصودك اليمين فقط، ثم حنثتَ، أي خالفتَ ما حلفتَ عليه، فعليك كفارة يمين. يرى جمهور العلماء، بحسب فتوى على إسلام ويب، أن من قصد اليمين فقط فحلفه يمين تُكفَّر كسائر الأيمان، وذلك في فتوى بعنوان حكم من حلف بالطلاق ثم أراد الرجوع عن يمينه. وتذكر الفتوى أن كفارة اليمين هي:

- إطعام عشرة مساكين.
- أو كسوتهم.
- أو تحرير رقبة.
- ومن لم يجد ذلك، فيصوم ثلاثة أيام.
أما قيمة إطعام المساكين بالعملة فتختلف بحسب البلد. وقد ذكر أمين الفتوى المصري أن إطعام عشرة مساكين يكون بمبلغ 100 جنيه، وأن الأمر يكون حسب مقدرة كل شخص. هذا تقدير مصري، ولم نتحقق من حداثته، ولا تتوفر في المصادر المتاحة قيمة موثقة بالريال السعودي أو بعملة خليجية، لذلك اسأل جهة إفتاء معتمدة في بلدك عن القيمة المعمول بها.
ما يقوله الشيخ ابن باز في الحلف بالطلاق
يرى الشيخ ابن باز أن الحلف بالطلاق مكروه، وأن الأولى الاكتفاء بالحلف بالله، وأن الحلف بالطلاق لا يُفعل إلا عند الحاجة، وذلك في باب الطلاق من فتاوى موقع الشيخ ابن باز. ومن عبارته في هذه الفتوى: «لأن الطلاق أبغض الحلال إلى الله».
وهذا يتفق مع التحذير المصري من الحلف على كل صغيرة وكبيرة. فالحلف بالطلاق ليس خيارًا يُلجأ إليه عند كل خلاف عابر، بل يُحتاج إليه عند الضرورة فقط.
علاج عادة تكرار الحلف بالطلاق
إن كان الحلف عادة تكررت دون قصد حقيقي، فقد اقترح أمين الفتوى المصري خطوات عملية، وهي كما نُشرت عنه:
- اعرف أن هذا السلوك محرم، ويأثم صاحبه عليه.
- درّب نفسك على تركه، وحاسبها باستمرار على كل مرة تعود إليه.
- اجعل لنفسك رادعًا، فقد اقترح أمين الفتوى أن يلتزم من يعتاد الحلف بعمل صالح أو صدقة عند العودة إليه، وذلك في فتوى منشورة على موقع البلد.
ويعين على ضبط اللسان الالتزام بالعبادة اليومية، ويمكنك الاطلاع على عبارات عن الصلاة وفوائد الالتزام فيها لتقوية هذا المعنى. وإذا كان الحلف مرتبطًا بقرار زواج أو بخلاف متكرر، فقد تجد في شرح طريقة صلاة الاستخارة للزواج ما يعينك على التأمل قبل القرار، مع أن الاستخارة لا تغني عن مشورة شرعية في تفاصيل الحكم.
متى تحتاج إلى جهة إفتاء معتمدة؟
في فتوى منشورة هذا الأسبوع، يشدد أمين الفتوى المصري على عرض جميع الوقائع والألفاظ على دار الإفتاء بحضور الزوجين قبل تحديد الحكم، كما في تقرير مصراوي عن تكرار الحلف بالطلاق. وهذا التشديد منطقي، لأن الحكم يتغير بتغير الألفاظ والنية، والتفصيل الذي تظنه صغيرًا قد يكون هو الفيصل.
أما الوضع السعودي فله ملاحظات يجب أن تعرفها:
- لم نجد بيانًا جديدًا من هيئة كبار العلماء أو اللجنة الدائمة في الأيام السبعة الماضية حول هذه المسألة، فلا تنسب إلى الجهات الرسمية السعودية رأيًا حديثًا لم تنشره.
- لم نبحث في نظام الأحوال الشخصية السعودي، فإن كان سؤالك يتعلق بأثر قانوني، فيلزم الرجوع إلى المختصين.
- لا توجد في المصادر السعودية المتاحة خطوة إجرائية رسمية، كنموذج أو منصة، فالموضوع فقهي بحت.
- الفتوى المصرية ومنهج ابن باز يختلفان في بعض التفاصيل، ولا يُعرض أي منهما بوصفه الرأي الوحيد.
إن كنت تواجه هذا الموقف، فابدأ بكتابة الألفاظ التي تكررت على لسانك، وما قصدته في كل مرة، ثم اعرض ذلك على جهة إفتاء معتمدة، وبحضور الزوجين إن أمكن، قبل أن تفترض حكمًا بنفسك.






