تُجري جامعة ستانفورد بحثًا حول الأحلام أثناء التخدير، وهي فكرة قديمة بصيغة جديدة: هل يمكن أن يساعد الحلم الذي يراه المريض أثناء التخدير على معالجة الخوف والصدمة النفسية؟ الإجابة حتى الآن أن الفكرة واعدة لكنها في مرحلة مبكرة، فمعظم الأدلة دراسات تجريبية صغيرة وتقارير حالات، ولم تثبت بعد أن الحلم يعالج الصدمة لدى الناس عمومًا. في هذا المقال نشرح ما وصل إليه الباحثون، وما لا يمكن استنتاجه منه، وما يمكنك فعله الآن إن أردت تذكّر أحلامك.

الأحلام أثناء التخدير: ما الذي وجده الباحثون؟

جاء هذا الاهتمام في تقرير نشرته NPR يوم 22 أكتوبر 2026، تناول فيه عودة الاهتمام بأبحاث الأحلام، وممارسة قديمة تُسمى الحلم الموجَّه، وهي أن تزرع سؤالًا في ذهنك قبل النوم وتنتظر أن يجيبك حلمك. وتطرّق التقرير إلى أبحاث الدكتور هاريسون شونغ-وين تشو، طبيب التخدير في ستانفورد، الذي يدرس كيف قد تساعد الأحلام التي تحدث تحت التخدير الناس على معالجة الخوف والصدمة [1].

غرفة استفاقة هادئة في مستشفى بإضاءة ناعمة وسرير مرتب
غرفة الاستفاقة بعد الجراحة، وهي المرحلة التي يدرس فيها الباحثون أحلام التخدير.

حلم التخدير ليس الحلم العادي الذي تراه في نومك الليلي. فالنشاط الدماغي يشبه ما يحدث في مرحلة حركة العين السريعة، لكنه ليس مطابقًا له. وتشير مقابلة مع باحثي ستانفورد إلى أن 86% من أحلام التخدير وُصفت بأنها إيجابية أو إيجابية إلى حد ما [3]، بينما تميل أحلام النوم اليومية عادةً إلى الطابع السلبي [6]. ومن هنا يأتي سؤال الباحثين: هل يمكن الاستفادة من هذا الطابع العلاجي؟

كيف يُحفَّز الحلم أثناء الاستيقاظ من التخدير؟

لا يوجد إجراء رسمي معتمد يمكن للقارئ أن يجربه في منزله، فما يدرسه الفريق بروتوكول سريري يُجرى داخل غرفة العمليات. ووفقًا لجامعة ستانفورد، يقوم البروتوكول على تقليل جرعة التخدير ببطء في نهاية الجراحة لإحداث الحلم، ويؤكد الفريق أنه لا يغيّر التخدير المعتاد ولا يزيد من احتمال الوعي أثناء العملية [2].

ومن أصعب خطوات التجربة، بحسب الجامعة، توفير نحو 10 دقائق من الاستيقاظ الهادئ في غرفة عمليات مزدحمة. وفي مجموعة من 57 مريضًا حصلت على هذه الدقائق دون إزعاج، ارتفعت نسبة الحلم إلى 93% [2]. ولأن التفاصيل السريرية هنا دقيقة، فإن أي محاولة لتقليد هذا الإجراء خارج المستشفى لا تُعد تطبيقًا لهذا البحث.

وفي دراسة تجريبية نُشرت في مجلة Anesthesiology، وجد الباحثون أن البروتوكول ممكن التنفيذ كإضافة إلى الرعاية الجراحية المعتادة، لكنهم لم يجدوا ارتباطًا بين الحلم وتراجع الألم أو انخفاض عدد أدوية الغثيان المستخدمة [4]. وهذه النتيجة تضبط التوقعات: الحلم لا يعني بالضرورة أن المريض سيشعر بألم أقل بعد العملية.

وتشير بيانات النشر إلى أن الورقة ظهرت إلكترونيًا في 3 فبراير 2026، ثم صدرت في العدد الأول من المجلد 145 بتاريخ 1 يوليو 2026 [5].

الصدمة النفسية: ما الذي يمكن قوله بحذر؟

الهدف الأوسع من البحث هو الصدمة. وقد سجّل الفريق تجربة لاضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) تحت الرقم NCT06577636 في سجل ClinicalTrials.gov، وهذا يعني أن السؤال ما يزال قيد الاختبار [5].

أما الأدلة المنشورة حتى الآن فمحدودة. ففي تقرير حالة نُشر في مجلة American Journal of Psychiatry عام 2024، وصف الباحثون شخصين تحسنت أعراض الصدمة لديهما بعد الحلم الناتج عن التخدير أثناء الجراحة [6]. وشخصان لا يكفيان للحكم على الناس عمومًا، لكنهما يفتحان بابًا يستحق اختبارًا أكبر بتجارب مضبوطة.

وتصف NPR البحث بأنه يستكشف هذه الفكرة، ولا تعرضه كحقيقة مثبتة [1]. وهذا الفرق في الصياغة مهم، فالقارئ الذي يقرأ عنوانًا يقول إن الحلم يعالج الصدمة قد يخرج بفهم أبعد عن الواقع العلمي.

لماذا تختلف نسب الحلم بين الدراسات؟

تقدّر ملاحظات تشو السريرية أن نحو 50% من المرضى يحلمون أثناء الاستيقاظ من التخدير، بينما تذكر دراسة أكبر أجرتها كيت ليزلي أن النسبة نحو 22% [7].

الفرق بين الرقمين كبير، ولم يُحسم سببه بعد. وقد يعود إلى طريقة السؤال عن الحلم، أو توقيت القياس، أو اختلاف المرضى والجراحات. ولهذا لا ينبغي أن تعامل أي من الرقمين كنسبة نهائية.

كيف تتذكر حلمك بعد الاستيقاظ؟

ينصح تشو بالإسراع في التدوين، إذ يقول: «لديك نحو ثلاث إلى خمس دقائق فقط لتتذكّر» (ترجمة للاقتباس من الإنجليزية)، ويضيف أن كتابة الحلم أو قوله لشخص آخر يساعد على نقله إلى الذاكرة طويلة المدى [1].

  1. ابقَ في وضعك لحظات قبل أن تنهض أو تمسك الهاتف، وحاول استرجاع أول مشهد تذكره.
  2. اكتب كلمات مفتاحية قصيرة، مثل المكان والشخص الذي ظهر فيه وشعورك، حتى لو لم تتذكر الترتيب.
  3. إن تعذّر عليك الكتابة، قل الحلم بصوت عالٍ لشخص تثق به، أو سجّله صوتيًا.
  4. بعد ذلك، دوّن التفاصيل كاملة في وقت لاحق من اليوم.

ولتفاصيل أكثر عن ترتيب التدوين، راجع مقالنا كيف أتذكر الأحلام بعد الاستيقاظ؟ خطوات عملية لتدوين حلمك قبل أن ينساه.

الحلم الموجَّه في المنزل: ما الذي يمكنك تجربته؟

يمكنك أن تجرّب الفكرة العامة للحلم الموجَّه بحذر ودون توقعات كبيرة. قبل النوم، اكتب سؤالًا واحدًا محددًا، مثل: ما الخطوة الأولى في المشروع الذي أؤجله؟ ثم اقرأه مرة أو مرتين قبل أن تطفئ الضوء، واتركه في ذهنك دون أن تُجبر نفسك على إجابة فورية.

ولا تحكم على التجربة بعد ليلة واحدة. فالنتائج تختلف من شخص لآخر، وذاكرة الحلم ذاتية في الغالب، وما نعرفه عن هذه الممارسة في البيئة المنزلية ما يزال محدودًا. لا تعتمد على حلم في قرار طبي أو مالي أو أسري مهم.

حدود ما نعرفه حتى الآن

  • لا يوجد دليل حاسم على أن الحلم أثناء التخدير يقلل أعراض الصدمة في تجارب كبيرة مضبوطة.
  • تتباين نسب الحلم بين الدراسات، ولم يُحسم سبب هذا التباين.
  • معظم الأدلة من دراسات تجريبية صغيرة وتقارير حالات.
  • البروتوكول بحثي ولا يُجرى إلا في سياق جراحي وتحت إشراف فريق طبي.

ولم نعثر حتى كتابة هذا المقال على تعليق من هيئة صحية سعودية أو خليجية على هذه النتائج، لذلك يبقى ما سبق قراءة للأبحاث المنشورة وليس توصية صحية رسمية.

متى تطلب مساعدة متخصص؟

إذا كانت الكوابيس تتكرر وتؤثر على نومك أو عملك، أو ظهرت أعراض صدمة مثل تجنّب ما يذكّرك بالحدث الصادم أو اليقظة المفرطة، فالخطوة الصحيحة هي زيارة طبيب أو أخصائي نفسي، لا تجربة منزلية للحلم الموجَّه. وإن كانت الكوابيس هي الشاغل الأساسي، فابدأ بمراجعة مقالنا الكوابيس المتكررة: متى يجب أن تراجع الطبيب؟ العتبات السريرية والخطوات لتعرف العلامات التي تستدعي الزيارة. وإن أردت الاطلاع على ما تقوله الأبحاث عن علاج كوابيس الصدمة بوسيلة أخرى، فهناك مقال عن علاج الكوابيس بالقنب الطبي وما تقوله دراسة درونابينول عن كوابيس الصدمة.

الخطوة التالية التي تستحق المتابعة هي التجارب الأكبر التي تقيس الأعراض بأدوات معتمدة على عينات أوسع. إلى أن تظهر نتائجها، يبقى الأنفع أن تميّز بين الفضول العلمي والوعد العلاجي، وأن تتعامل مع الحلم المزعج بوصفه إشارة تستحق الانتباه لا حكمًا عليك.