قد تستيقظ من حلم وتشعر أنه حدث فعلًا، فتتذكر تفاصيل موقف بعينه ثم تتردد: هل وقع في اليقظة أم في المنام؟ هذا ما يسميه الباحثون الخلط بين الحلم والواقع. وقد نشر ملخص بحثي جديد في 19 أكتوبر 2026 يربطه بكثرة تذكّر الأحلام، إذ يفيد بأن من يتذكرون أحلامهم بتكرار أعلى يحتمل أن يخلطوا بين الحلم والواقع أكثر من غيرهم. لكنه لا يثبت أن كثرة التذكّر تسبب الخلط، ولا يحدد أيهما يؤثر في الآخر.

الخلط بين الحلم والواقع: ما المقصود بالظاهرة؟

يعرّف الباحثون هذه الظاهرة بأنها صعوبة أو استحالة تحديد ما إذا كان حدث ما قد وقع أثناء اليقظة أم كان محتوى حلم. أي أن المشكلة ليست في أنك حلمت، بل في أن الذاكرة لم تعد تحمل علامة واضحة تفصل بين المصدرين.

تذكّر الحلم شائع، ولا يعني بالضرورة وجود خلل. الفرق المهم هنا بين أن تتذكر حلمك كما هو، وبين أن تعتقد أن ما حلمت به وقع فعلًا في حياتك. الأولى تجربة عادية، أما الثانية فهي التي تتناولها الأبحاث، وتحتاج إلى قراءة متأنية.

ماذا تقول الدراسة الجديدة عن تكرار تذكّر الأحلام؟

الملخص منشور ضمن قسم Late Breaking Abstracts في دورية Journal of Sleep Research، بتاريخ 19 أكتوبر 2026. ووفق ما اطلعنا عليه، يفيد بأن تذكّر الأحلام بتكرار أعلى يرتبط باحتمال أكبر للخلط بين الحلم والواقع، بعد أخذ العمر والجنس وتكرار الأحلام الواعية في الحسبان.

ويضيف الملخص أن من يتذكرون أحلامهم بكثرة يصفون هذا الخلط بأنه أكثر صلة بحياتهم الشخصية، وأشد إزعاجًا لأدائهم اليومي. وهذه النقطة تستحق الانتباه، لأن الالتباس نفسه قد يكون خفيفًا عند شخص وثقيلًا عند آخر.

عُرض العمل ضمن المؤتمر الثامن والعشرين للجمعية الأوروبية لأبحاث النوم، الذي عُقد بين 20 و23 أكتوبر 2026 في ماستريخت بهولندا. وإن كنت تتساءل عن العلاقة بين تذكّر الأحلام وجودة النوم، فقد تناولنا ذلك في مقال هل تذكر الأحلام يدل على نوم جيد؟ ما تقوله الدراسات وما لا تثبته، أما هنا فنركز على سؤال مختلف: متى تختلط الذكرى بالواقع؟

ولا بد من التحفّظ على حدود الملخص. عنوانه يقول إن هذا الخلط «قد يكون تكيفيًا»، وهذه فرضية يطرحها الباحثون للنقاش لا استنتاج مؤكد. كما أن حجم العينة لم يرد ضمن النتائج التي اطلعنا عليها، ولم نجد النص الكامل المحكَّم أو تفاصيل المنهج. لذلك لا يصح أن نبني على الملخص وحده قرارات طبية أو نتائج قاطعة.

ما تكشفه الأبحاث السابقة عن النوم القهري

قبل الملخص الجديد، كانت أوضح الأدلة قد جاءت من دراسة نُشرت عام 2014 على مرضى النوم القهري (الناركولبسي)، وهو اضطراب نوم معروف. وجدت الدراسة أن المرضى يخلطون ذكرى الحلم بتجربة حقيقية، وأن بعض هذه المعتقدات الخاطئة تستمر أيامًا أو أسابيع، وذلك بحسب الدراسة المنشورة في مجلة Sleep عبر PubMed.

وتنقل تغطية صحفية عن الدراسة نفسها أن 83% من مرضى النوم القهري أبلغوا عن هذا الخلط، مقابل 15% ممن لم يُشخَّصوا بالمرض، وذلك في تغطية لموقع Vice. هذه الأرقام تعود إلى دراسة سابقة، ولا تمثل نتائج الملخص الجديد، لكنها توضح لماذا يُعد النوم القهري مثالًا تقليديًا في هذا الباب.

ومن الخطأ تعميم هذه النسب على كل من يتذكر أحلامه. فالمصادر تربط الخلط بالنوم القهري بشكل أوضح من غيره، والصورة لدى عامة الناس أكثر تنوعًا، وما زالت الأبحاث في هذا المجال محدودة.

دراسة بولندية على 82 مشاركًا: ما الذي وجدته؟

في دراسة من جامعة جاجيلونيان البولندية نُشرت عام 2018 شارك فيها 82 شخصًا، وجد الباحثون أن المعرّضين للخلط يتذكرون أحلامهم بتكرار أعلى، ويسجلون درجات أعلى في الأرق والسمات العصابية. ويمكنك الاطلاع على الدراسة في نسخة Ovid.

هذه النتيجة تعني أن هذه الصفات ظهرت مع الخلط في العينة نفسها، ولا تعني أن الأرق أو القلق يسببان الخلط. ولهذا تحتاج النتيجة إلى دراسات أوسع تتابع الأشخاص عبر الزمن، لتعرف أي المتغيرين يسبق الآخر.

نسب الخلط بين الحلم والواقع في المراجعات العلمية

تشير مراجعة مبنية على دراستين أجريتا في ماستريخت إلى أن نسبة من يجدون صعوبة في التمييز بين الحلم والواقع تتراوح بين 12% و26% من المشاركين. اقرأ هذا النطاق بوصفه تقديرًا مستندًا إلى دراستين فقط، لا قاعدة تنطبق على الجميع.

وتذكر المراجعة نفسها أن الخلط يبدو أكثر شيوعًا لدى فئات معينة، مثل مرضى النوم القهري أو اضطراب الشخصية الحدية، مع التأكيد على أن البحث في هذا المجال ما زال محدودًا. ويلخص الجدول التالي المصادر الثلاثة الأهم في هذا الموضوع:

المصدر السنة ما يقوله حدود يجب أن تعرفها
دراسة مرضى النوم القهري 2014 مرضى يخلطون ذكرى الحلم بتجربة حقيقية، وبعض المعتقدات تستمر أيامًا أو أسابيع تركّز على فئة مرضية محددة
دراسة جامعة جاجيلونيان 2018 تكرار تذكّر أعلى لدى من يخلطون بين الحلم والواقع عينة من 82 مشاركًا
ملخص Journal of Sleep Research 2026 ارتباط بين تكرار التذكّر والخلط بعد ضبط العمر والجنس ملخص مؤتمر دون تفاصيل المنهج أو حجم العينة

هل يعني الخلط بين الحلم والواقع وجود مشكلة؟

ليس بالضرورة. كثير من الناس يتذكرون أحلامهم أحيانًا، ويميزون بينها وبين الأحداث الواقعية دون عناء. أما إذا أصبح الالتباس متكررًا، وبدأ يؤثر في عملك أو علاقاتك أو تركيزك، فالأفضل أن تراجع طبيبًا أو أخصائي نوم، لأن التقييم الفردي أدق من أي تفسير عام.

وإذا شعرت بأن نومك نفسه يتعرض للاضطراب، فقد يفيدك أن تعرف أيضًا أنواعًا أخرى من التجارب الليلية، ومنها شلل النوم. وقد شرحنا أسبابه وعلاجه في مقال شلل النوم (الجاثوم): أسبابه وعلاجه ومتى تراجع الطبيب.

ماذا تفعل إذا شعرت أن حلمك حدث فعلًا؟

لا توجد إجراءات رسمية محددة لهذه الحالة في المصادر التي اعتمدنا عليها، لكن هناك خطوات عملية تستند إلى ما تقوله الأبحاث:

شخص يجلس على حافة السرير في الصباح الباكر ويكتب في دفتره الصغير
تدوين الحلم مباشرة بعد الاستيقاظ يساعدك على التمييز بين ما رأيته وما عشته.
  1. تذكّر أن الذكريات قد تتكون من مصدر غير واقعي. تشير مراجعة BBC Science Focus إلى أن مجرد معرفة ذلك قد يكون مفيدًا، وأن شرح الفكرة للمشاركين في دراسة 2021 صحّح ذكرى زائفة دون أن يؤثر في تذكّر الأحداث الحقيقية.
  2. ابحث عن دليل مستقل قبل أن تحسم الأمر، مثل رسالة أو سجل أو شخص كان معك. هذه خطوة من اقتراح المحرر، وليست نتيجة دراسة.
  3. دوّن ما تتذكره فور الاستيقاظ، فالكتابة تساعدك على الفصل لاحقًا بين ما رأيته وما عشته. وإن أردت طريقة مفصلة لذلك، فاقرأ مقال كيف أتذكر الأحلام بعد الاستيقاظ؟ خطوات عملية لتدوين حلمك قبل أن ينساه.

الخطوة التالية التي تستحق المتابعة هي النص الكامل لدراسة مؤتمر ماستريخت حين يُنشر. عندها سيتضح حجم العينة وطريقة قياس الخلط، وسنعرف إن كانت فرضية التكيف تجد دعمًا حقيقيًا أم تبقى احتمالًا. إلى ذلك الحين، يكفي أن تفرّق بين تذكّر الحلم والاعتقاد بأنه وقع، وأن تطلب المساعدة المتخصصة إن تكرر الالتباس وأثّر في حياتك.