كيف قاس الباحثون الأحلام؟

تشير دراسة حديثة عن الأحلام والصحة النفسية إلى أن الطريقة التي تُروى بها الأحلام قد تحمل تلميحات عن أعراض الاكتئاب والقلق. نشرت الورقة العلمية في مجلة Communications Psychology، وفيها يحلل الباحثون بنية الكلمات في التقارير، لا القصة التي يرويها الحلم. فلم يسألوا عن الطيران أو المطاردة أو الماء، بل درسوا كيف ترتبط الكلمات ببعضها داخل النص (الورقة العلمية).

دفتر مفتوح بخط يد على مكتب خشبي قرب النافذة، يرمز إلى تدوين الأحلام وتحليل الكلمات
تدوين تقارير الأحلام بالكلمات هو المادة الخام التي تحللها هذه الدراسة.

إن كنت تسأل هل يكشف حلمك عن حالتك النفسية، فالجواب المختصر أن الدراسة وجدت ارتباطات محددة في عينة محدودة، وهي لا تشخّص أحدًا ولا تحوّل تقرير الحلم إلى أداة فحص منزلية. الفائدة الحقيقية هنا منهجية، إذ تقدم طريقة جديدة لقراءة الكلام عن الأحلام، وتفتح باب الأسئلة حول ما يمكن أن نتعلمه منها.

اعتمد الفريق على نظرية الرسوم البيانية (Graph Theory)، وهي أداة رياضية تصف العلاقات بين العناصر داخل شبكة. وشارك في الدراسة باحثون من جامعات مثل كامبريدج وستانفورد وتوركو، وكان من بين المؤلفين بيتر كوبولا وبيليريين سيكّا.

في هذا المنهج تصبح كل كلمة في التقرير «عقدة»، وتُربط كلمتان بخط إذا ظهرتا بجانب بعضهما. بهذا تتكوّن خريطة تُظهر أي الكلمات تتصل بغيرها أكثر، وأيها يقع في وسط الشبكة. يوضح الباحثون أن هدفهم فهم بنية الكلام نفسها، لا معنى الحلم.

شملت البيانات 176 شخصًا، وبلغ عدد التقارير 3053 تقريرًا، منها 1434 تقريرًا عن الأحلام و1619 تقريرًا عن شرود الذهن، أي الأفكار التي تمر بالبال حين لا يكون الشخص منشغلًا بمهمة محددة. وجاءت التقارير من مشاركين في المملكة المتحدة وأستراليا، عبر منصة إلكترونية.

نشر موقع Medical Xpress تغطية للدراسة بتاريخ 20 أكتوبر 2026، ووصف نتائجها بأنها قد تكون «تلميحات» عن الصحة النفسية لا تشخيصات (Medical Xpress). ونقلت صحافة عربية النتائج نفسها، منها صحافة24 وموقع مبتدأ.

ما الذي اختلف بين تقارير الأحلام وتقارير شرود الذهن؟

لم تكن التقارير متشابهة في بنيتها. فقد كانت تقارير الأحلام ذات تركيب أكثر تعقيدًا، أما تقارير شرود الذهن فكانت تحتوي على تكرار أقل للكلمات، وكانت أكثر إسهابًا.

قد يبدو هذا تفصيلًا لغويًا بحتًا، لكنه يوضح أن الحلم والتفكير الشارد يتركان أثرًا مختلفًا في الكلام. وتكمن أهمية المقارنة بين النوعين في أنها تتيح النظر إلى كل تقرير على حدة، فالنتيجة في أحدهما لا تُنسب تلقائيًا إلى الآخر.

إذا كنت تدوّن أحلامك، فانتبه إلى الفرق بين وصفك للحلم ووصفك لأفكارك حين تكون شاردًا. الدراسة لا تقترح تمرينًا بعينه، لكن الانتباه إلى هذا الفرق قد يساعدك على وصف ما تمر به بدقة أكبر، وهذا يفيد عند الحديث مع طبيبك.

ما الذي تقوله الدراسة عن الأحلام والصحة النفسية؟

المقياس الأهم في الدراسة هو «مركزية الكلمة» (word centrality)، أي مدى كون الكلمة نقطة وصل بين كلمات أخرى داخل الشبكة. وقد ارتبطت هذه المركزية بانخفاض التنوع المعجمي، أي أن التقرير يعيد استخدام عدد أقل من الكلمات المختلفة.

في تقارير الأحلام ارتبطت مركزية الكلمات بأعراض الاكتئاب. وفي تقارير شرود الذهن ارتبط المقياس نفسه بأعراض القلق. أي أن النمط اللغوي الواحد ارتبط بعرَضين مختلفين، بحسب نوع التقرير الذي كتبه الشخص.

ولا تعني كلمة «ارتبط» أن الشخص مكتئب أو قلق. فالدراسة رصدت علاقة إحصائية بين درجات الشبكة وأعراض الاكتئاب والقلق، ولم تقدم تشخيصًا لأي شخص. وهذا الفرق مهم، لأن الارتباط يخبرنا بأن شيئين يحدثان معًا، ولا يخبرنا بأن أحدهما سبب الآخر.

لماذا لا تكفي هذه النتائج لتشخيص حالتك؟

تحدد طبيعة الدراسة حدود استخدامها، وأبرز قيودها ثلاثة:

  • الدراسة ارتباطية، فهي ترصد علاقة بين متغيرين، ولا تثبت أن أحدهما يسبب الآخر.
  • العينة جاءت من منصة إلكترونية واحدة، ومن مشاركين في بلدين محددين، وهي لا تمثل كل المجتمعات.
  • التقارير كانت باللغة الإنجليزية، ولا يمكن افتراض أن بنية الكلام في اللغات الأخرى ستتطابق معها.

يصف المؤلفون المنهج بأنه واعد لتحليل مجموعات كبيرة من التقارير الوصفية، أي التي تعتمد على الكلام والوصف لا على الأرقام وحدها. وهذا وصف لمنهج بحثي، لا لأداة تشخيص جاهزة. لذلك فإن من يلاحظ على نفسه أعراضًا مستمرة لا يحتاج إلى انتظار نتائج تحليل الكلام، بل يستحق تقييمًا من مختص.

هل ينطبق المنهج على الأحلام العربية؟

هذا سؤال مفتوح. فالعربية تختلف عن الإنجليزية في بنية الجملة وتصريف الأفعال وحذف بعض العناصر، كما يروي كثير من الناس أحلامهم بلهجاتهم المحلية لا بالفصحى. وتغيير اللغة أو اللهجة قد يغيّر شكل الشبكة التي تُبنى من الكلمات، وبالتالي قد تتغير المقاييس نفسها.

الدراسة لم تختبر الأحلام العربية، لذلك لا يصح الجزم بأن نتائجها تنطبق على القارئ في السعودية أو الخليج أو غيرهما. ويحتاج الأمر إلى أبحاث تبدأ بتقارير عربية، وتقارن بين الفصحى واللهجات، وتشمل عينات أكبر وأكثر تنوعًا.

ومن الأسئلة المفتوحة أيضًا: هل يخطط الباحثون لدراسات لاحقة على عينات سريرية، أي على أشخاص شُخّصت حالتهم بالفعل؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستبين إن كانت هذه التلميحات تستحق الاختبار في الممارسة الفعلية.

ما الخطوات العملية إذا أزعجتك الأحلام أو استمر القلق؟

لا يوجد إجراء رسمي تفرضه الدراسة، ولا تقدم اختبارًا ذاتيًا. لكن يمكنك التعامل مع الموضوع بخطوات بسيطة:

  • دوّن الحلم فور الاستيقاظ، وابدأ بالكلمات التي تتذكرها أولًا دون تجميل. ولخطوات التدوين الكاملة، اقرأ مقالنا كيف تتذكر أحلامك بعد الاستيقاظ؟.
  • لاحظ تكرار الموضوع أو المشاعر نفسها على مدى أسابيع، لا ليلة واحدة. فالحلم المزعج الواحد أمر شائع، أما التكرار المتواصل فهو ما يستحق الانتباه.
  • انتبه إلى أثره في نهارك: هل يؤثر في نومك أو تركيزك أو مزاجك؟
  • إذا استمرت الأحلام المزعجة، أو ظهرت أعراض مثل الحزن المتواصل أو القلق الذي يعطل نومك أو عملك، فالأفضل مراجعة الطبيب أو أخصائي نفسي. وقد تفيدك مقالتنا الكوابيس المتكررة: متى يجب أن تراجع الطبيب؟.
  • ولمعرفة ما تقيسه دراسات أخرى عن الأحلام والاكتئاب، وما لا تثبته، راجع مقالنا هل تكشف الأحلام عن الاكتئاب؟.

ستبقى الأسئلة حول الأحلام والصحة النفسية مفتوحة لبعض الوقت. ما تقدمه هذه الدراسة مفيد لأنه يغيّر زاوية النظر: فالكلام عن الحلم، بطريقة ترابط كلماته، قد يحمل إشارة، لكن الإشارة وحدها لا تكفي للتشخيص. دوّن ما تراه بدقة، ولاحظ ما يتكرر، واعرض الأعراض المستمرة على مختص.