هل تحصل اليوم من الفواكه والخضروات على القدر نفسه من المعادن الذي كانت توفره قبل ستين عامًا؟ هذا السؤال يتصدّر النقاش بعد تقرير بريطاني بعنوان «Hollow Harvests» أعدّته مؤسسة Deep Science Ventures، ويقول إن القيمة الغذائية للفواكه والخضروات تراجعت في بعض العناصر بنسبة تصل إلى 50% منذ ستينيات القرن الماضي. الاتجاه له سند جزئي في دراسات سابقة، لكن حجم التراجع يختلف من محصول إلى آخر، ولم تُنشر الدراسة في مجلة علمية محكّمة بحسب المصادر التي اطّلعنا عليها.
في هذا المقال نشرح ما يقوله التقرير بالضبط، وما الذي لا تزال الأدلة تختلف فيه، وكيف تتعامل مع الخبر في طعامك اليومي دون قلق مبالغ فيه.
القيمة الغذائية للفواكه والخضروات: ماذا يقول التقرير البريطاني؟
أُعدّ التقرير بالتعاون بين Deep Science Ventures ومؤسسة The Mark Leonard Trust، وتنقل التغطيات أن فكرته الأساسية أن مقاييس الأمن الغذائي ركزت على الكمية لا على المحتوى الغذائي. يقول ويل سامرز، زميل أول في Deep Science Ventures، في تصريح نقلته صحيفة الأيام البحرينية: «على مدى 60 عاماً، قمنا بقياس الأمن الغذائي بناءً على السعرات الحرارية والإنتاجية (بالأطنان) لكل هكتار».
ويضيف بالإنجليزية في تصريح نُقل عنه في FreshTalk Daily: «But we've been quietly hollowing out what's inside our food»، أي «لقد كنا نُفرغ ما بداخل طعامنا بهدوء».
هذا يفسر لماذا يختلف هذا النقاش عن السؤال المعتاد عن الكمية التي نشتريها. فالسؤال هنا ليس كم نأكل، بل ماذا يوجد داخل ما نأكله.
تراجع المعادن في المحاصيل: ماذا تقول الأرقام؟
تتركز الخسائر المعلنة في المعادن، بحسب ما ورد في تغطية Yahoo News:
- البوتاسيوم والمغنيسيوم والنحاس والزنك: تراجعت بين 20% و50% في محاصيل محددة خلال العقود الستة الماضية.
- القمح: تقول دراسة عالمية نُشرت عام 2026 ونقلها التقرير إن أقل من ثلث أصناف القمح الخبز التي طُرحت منذ الستينيات تحقق هدف الزنك الموصى به، بحسب 8point9.
- البوتاسيوم والسكتة الدماغية: تربط التغطية المنشورة بين نقص البوتاسيوم وارتفاع خطر السكتة الدماغية بنسبة تصل إلى 21%، بينما يُشار إلى أن نقص معادن مثل الزنك قد يضعف المناعة.
لاحظ أن هذه الأرقام تخص عناصر وأصنافًا محددة، فهي ليست نسبة واحدة تنطبق على كل فاكهة وكل خضرة. وتشير تغطيات أخرى إلى أن حجم التراجع يختلف بحسب المحصول والعنصر، فليس صحيحًا أن كل الفواكه والخضروات فقدت نصف قيمتها الغذائية [7].
كم تحتاج من الخضروات لتحصل على المعادن نفسها؟
أكثر ما تردد في الصحافة من أرقام هو أن الحصول على المعادن نفسها اليوم قد يتطلب ضعف كمية الخضروات تقريبًا مقارنة بالستينيات [2][3]. لكننا لم نتمكن من الاطلاع على التقرير الكامل، ولم نعثر على تفاصيل تشرح مصدر هذا الرقم بدقة، لذلك نعرضه كادعاء يحتاج إلى تحقق لا كحقيقة مثبتة.
إذا صحّ الرقم، فالكمية التي يعتبرها كثيرون كافية اليوم قد لا تمنحك المعادن نفسها التي كان الطعام يوفرها قبل عقود. أما الرد العملي فليس مضاعفة الكمية عشوائيًا، بل تنويع الاختيار وتحسين جودة الطعام اليومي، وهو ما تشير إليه تغطية أخرى حين تذكر أن جودة النظام الغذائي وأحجام الحصص وتنوع الأطعمة والاحتياجات الفردية عوامل مهمة [7].
ولم نجد أي رد رسمي سعودي على التقرير، ولا بيانات سعودية أو خليجية عن هذه المحاصيل، ولا أي تغيير في التوصيات الرسمية الخاصة بالحصص اليومية حتى إعداد هذا المقال.
لماذا يُربط التراجع بالتربة والزراعة؟
يربط التقرير التراجع بطريقة الزراعة نفسها، أي بالتركيز على الإنتاجية العالية في التربية والزراعة، وبتدهور التربة [3][6]. كما يرى أن تغيّر المناخ وتدهور التربة وانتشار أدوية إنقاص الوزن من فئة GLP-1 قد تفاقم نقص المغذيات الدقيقة [4].

وتقول سيان فيرغسون من The Mark Leonard Trust: «التربة الصحية هي أساس الغذاء الصحي» [5].
وهنا يحتاج القارئ إلى معرفة سياق الجهة المشاركة، فقد أُسست المؤسسة جزئيًا من عائلة سينزبري لتمويل مشاريع مرتبطة بالزراعة [6]. هذا لا يعني أن النتائج غير دقيقة، لكنه يعني أن التقرير يحمل زاوية تتعلق بسياسات الزراعة، ويستحق أن يُقرأ بهذا الوعي.
ماذا تقول الدراسات السابقة عن الفواكه والخضروات؟
التراجع ليس فكرة جديدة تمامًا. فقد حلّل تحليل نُشر عام 2004 بيانات وزارة الزراعة الأمريكية لـ43 محصولًا من محاصيل الحدائق، ووجد تراجعًا موثوقًا في 6 من أصل 13 عنصرًا غذائيًا [8]. ومن الأرقام التي أوردها: البروتين بنسبة 6%، والكالسيوم 16%، والفوسفور 9%، والحديد 15%، والريبوفلافين 38%.
لكن هذه الأرقام تعود إلى بيانات الفترة بين 1950 و1999، ولا تأتي من تقرير «Hollow Harvests». لذلك من الخطأ أن نخلط بينهما أو نعتبر أحدهما إثباتًا للآخر. الأدق أن نقول إن الاتجاه مدعوم جزئيًا، وإن حجمه الحالي ما زال غير محسوم.
هل ما زالت الأدلة الصحية على الفواكه والخضروات قوية؟
نعم، فالجدل حول محتوى المغذيات لا يُلغي الأدلة المرتبطة بالصحة العامة. تشير مراجعة نوردية، بحسب تغطية نشرها Bioengineer، إلى أن أقوى الأدلة تتعلق بسرطان المعدة وسرطان الرئة وأمراض القلب والأوعية الدموية والوفيات لجميع الأسباب. وتشير دراسة إيرانية حديثة من عام 2026 إلى أن تناول كميات أعلى منها يرتبط بانخفاض احتمالات الإصابة المبكرة بمرض الشريان التاجي.
ومن جهة أخرى، تذكر مراجعة نوردية أخرى أن متوسط تناول الخضروات والفواكه والتوت في دول الشمال والبلطيق يقل عمومًا عن 400 غرام يوميًا [9]. وهو رقم يُستخدم كثيرًا مرجعًا في التوصيات الغذائية، ويذكّر بأن كثيرًا من الناس يتناولون أقل منه حتى في الدول التي تهتم بالتغذية.
كيف تختار طعامك في ظل هذا الجدل؟
الخطوات التالية لا تحتاج إلى قلق، بل إلى تخطيط بسيط:
- نوّع الفواكه والخضروات. لا تعتمد على صنف واحد أو نوع واحد من الخضار، فالتنوع من العوامل التي تُذكر بوصفها مهمة في جودة النظام الغذائي [7].
- لا تقلّل كميتك بسبب هذا الخبر. فالأدلة الصحية الحالية ما زالت تربط تناولها بانخفاض بعض المخاطر [10].
- راجع حصصك اليومية بالتوصيات الرسمية. يمكنك قراءة كم حصة من الفواكه والخضروات يوميًا؟ التوصية الرسمية السعودية لمعرفة التوصية الرسمية السعودية بالتفصيل.
- انتبه للكمية أيضًا. فالفواكه ليست بلا حدود، ويتناول مقال آخر على الموقع الجانب الآخر من الموضوع في ما هي أضرار الفواكه.
- استشر طبيبك عند الحاجة. إذا كنت حاملًا أو تعاني من حالة مزمنة أو تتناول أدوية، فاستشره قبل تغيير نظامك الغذائي بشكل كبير.
وفي السوق المحلي، لا تتوفر بيانات تقارن الإنتاج السعودي أو المستورد بما ورد في التقرير، كما لا تتناول المصادر التي اطّلعنا عليها مقارنة بين الخضروات العضوية والعادية. لذلك لا يمكن الجزم بأن العضوي أفضل في القيمة الغذائية، ولا بأن المحلي أقل منها.
أسئلة مفتوحة تنتظر إجابة
لا تزال هناك أسئلة دون جواب واضح. هل التقرير محكّم؟ وما مجموعات البيانات التي تدعم رقم «ضعف الكمية»؟ وهل ينطبق التراجع على كل الفواكه والخضروات بالتساوي، أم يتركز في المعادن وفي محاصيل بعينها مثل القمح والتفاح والجزر والبازلاء؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى الاطلاع على التقرير كاملًا، وهو ما لم نتمكن منه بعد.
إلى أن تتضح الإجابات، فالخطوة المفيدة أن تتابع ما تصدره الجهات الصحية الرسمية والدراسات المنشورة في مجلات محكّمة، وأن تنظر إلى صورة طعامك كاملة: الكمية والتنوع والجودة معًا، لا إلى رقم واحد يتصدّر عناوين الأخبار.






