هل تحلم العناكب؟ الجواب المختصر أن دراسة حديثة لا تثبت ذلك. فقد وصف باحثو جامعة بون الألمانية نوع العنكبوت القافز الأسترالي Portia fimbriata بأنه ينام على مرحلتين، إحداهما تشبه في سلوكها حركة العين السريعة (REM) عند الإنسان، لكن الباحثين أنفسهم حذّروا من أن هذا التشابه لا يكشف إن كانت العناكب تحلم أصلًا.
في هذا المقال نشرح ما قِيس فعلًا، وما بقي خارج التجربة، وكيف تقرأ عناوين مثل «العناكب تحلم مثل البشر» دون أن تنخدع بها.
ماذا وجد باحثو جامعة بون في نوم العناكب؟
تفيد التغطيات بأن الباحثين وصفوا نمطًا من النوم عند العنكبوت القافز بمرحلتين واضحتين. تتسم إحداهما بحركات للعين وارتعاشات في العضلات، وهي الملامح التي دفعت الفريق إلى مقارنتها بحركة العين السريعة عند البشر، وهي المرحلة التي يرتبط بها الحلم الأكثر وضوحًا لدينا.
نشرت ScienceDaily تغطيتها للدراسة في 26 أكتوبر 2026، ونشر موقع New Atlas تقريره في 2 نوفمبر 2026. ووفق New Atlas، اشترك في الدراسة اثنان من باحثي جامعة بون. وتصف الجامعة الدراسة، كما نقلتها المصادر، بأنها أول تأكيد تجريبي شامل لنمط نوم منظم عند عنكبوت.
ويجب أن نضع أمام القارئ تحفظًا واحدًا. فقد ذكر تقرير ScienceAlert أن الدراسة نُشرت في مجلة PNAS، لكننا لم نتمكن من التحقق من تاريخ النشر الدقيق ولا من رقم المجلد عبر مصدر أولي، لذلك نذكر اسم المجلة كما ورد في التقرير دون تفاصيل إضافية.
كيف راقب الباحثون نوم العناكب؟
اعتمدت الدراسة على مراقبة السلوك بكاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء، على مدى أيام وليالٍ. وهذه الكاميرات تلتقط الصورة في الظلام دون ضوء مرئي، وهي أداة شائعة لمراقبة الحيوانات أثناء الليل. ولم يكتفِ الفريق بالمراقبة، بل اختبر استجابة العناكب لمنبهات صوتية، وأزعج نومها في مرحلة لاحقة من التجربة.

يمكن تلخيص طريقة العمل كما وصفتها المصادر في أربع خطوات:
- وُضعت العناكب في أطباق بلاستيكية قطرها 12 سنتيمترًا.
- سُجّل سلوكها بكاميرات الأشعة تحت الحمراء خلال الليل والنهار على مدى أيام.
- قيست استجابتها لمنبهات صوتية.
- أُزعج نومها ليلة كاملة، ثم قورن سلوك الليلة التالية بما قبلها.
ويصل العنكبوت البالغ إلى حجم عملة اليورو المعدنية عند اكتمال نموه، أي أن الحديث يدور حول كائن صغير الحجم تُقاس حركاته عبر تسجيل مستمر.
ماذا حدث حين أُزعج النوم؟
تشير الأرقام المنشورة إلى أن عشر عناكب ظهر عليها الطور الشبيه بـREM، واستجابت ست منها لمنبه خلال عشر ثوانٍ. هذه النتيجة تعطي صورة عن سرعة الاستجابة للمنبهات، لكنها لا تكشف شيئًا عن نشاط الدماغ أثناء هذا الطور.
الأهم في النتائج ما حدث بعد الإزعاج. فبحسب تغطية Burgas Media، زاد إجمالي النوم بنحو 8.5%، وارتفع متوسط وقت الطور الشبيه بـREM من 9.4 دقيقة إلى 16.9 دقيقة، أي بزيادة نحو 80%. وذكر New Atlas أن متوسط مدة النوبة الواحدة من هذا الطور بلغ نحو 83 ثانية عبر العناكب العشر التي اختبرها الفريق.
ويصف الباحثون هذه الزيادة بالتعويض، أو بالمصطلح الإنجليزي REM rebound، وهو المصطلح الذي استُخدم هنا لوصف حيوانات لافقارية، أي لا تملك عمودًا فقريًا. والمعنى المباشر أن النوم المفقود أعقبه نمط أطول من الطور الشبيه بـREM. لكن هذا لا يعني أن العنكبوت كان يرى شيئًا خلال تلك الفترات.
لماذا لا يكفي التشابه السلوكي لإثبات الحلم؟
ترتبط مرحلة REM عند الإنسان بحركة العين السريعة وارتعاش العضلات، وبالأحلام الأكثر وضوحًا. لهذا تقارن كثير من التغطيات العنكبوت بهذه المرحلة. لكن التشابه في الحركة الخارجية لا يعني بالضرورة تشابهًا في التجربة الداخلية.
الفرق الجوهري هنا أن الدراسة لم تسجل نشاط الدماغ، فيبقى التشابه مع REM سلوكيًا فقط. أما عند الإنسان، فجزء كبير مما نعرفه عن الأحلام يأتي مما يرويه الشخص عند الاستيقاظ، والعنكبوت لا يستطيع أن يخبرنا بشيء بعد أن يستيقظ.
لهذا جاء تحذير الباحثين واضحًا، كما نقلته Burgas Media: «تحديد حركات شبيهة بحركات REM لا يثبت ما إذا كانت العناكب تحلم» (بالإنجليزية: “identifying REM-like movements does not prove whether spiders dream”). ويعني ذلك أن الخبر الدقيق هو أن العلماء وجدوا نمطًا سلوكيًا منظمًا، أما كلمة «حلم» فما زالت خارج ما تقيسه الدراسة.
ماذا عن البحث الذي سبق دراسة بون؟
نسبت تغطيات عربية بحثًا نُشر عام 2025 إلى فريق في جامعة كونستانز الألمانية، وتحدث عن حركة عين سريعة وارتعاش أرجل عند عناكب. ومن بين ما نُشر في هذا السياق تغطية الجزيرة نت بعنوان يقول إن العناكب لا تنام فقط، بل ربما تحلم أيضًا.
لكن المصادر التي راجعناها لا توضح العلاقة بين فريق كونستانز وفريق بون، ولا تحسم أي البحثين سبق الآخر. لذلك لا يصح نسب الأولوية لأي منهما قبل الرجوع إلى الأوراق العلمية الأصلية والتحقق من تواريخها.
كيف تقرأ عنوان «العناكب تحلم مثل البشر» بحذر؟
يحمل هذا النوع من العناوين وعدًا بالحسم، بينما تقول التفاصيل غير ذلك. ومن الأمثلة عنوان نشره موقع Eremnews بصيغة «مفاجأة علمية.. العناكب تحلم تماما مثل البشر»، مع أن التفاصيل نفسها لا تسمح بهذا الحسم.
قبل أن تشارك خبرًا من هذا النوع، اطرح على نفسك أربعة أسئلة:
- هل قاس الباحثون نشاط الدماغ؟ في هذه الدراسة لم يُقَس، لذلك أي عبارة تتحدث عن الحلم بحسم تتجاوز ما وُثّق.
- هل تستخدم الصياغة كلمة «يثبت» أم «قد يشير»؟ الفرق بين الكلمتين هو الفرق بين دليل وفرضية.
- كم عدد الكائنات المختبرة؟ التجربة التي وصفتها المصادر شملت عشر عناكب فقط.
- هل وصلت إلى بيان الجامعة أو الورقة الأصلية؟ أي خبر لا يذكر المصدر الأولي يحتاج إلى مراجعة أكبر.
ماذا يعني هذا لمن يفسّر أحلامه؟
لا تقدم هذه الدراسة معنى لأي حلم بشري، ولا تقرأ رؤيا محددة، ولا يصح استخدامها لتفسير أحلامك. فهي تدرس نوم عنكبوت قافز في أطباق صغيرة، وليس لها علاقة مباشرة بما قد يعنيه حلم في حياتك.
لكنها تذكّرنا بفكرة مفيدة في تفسير الأحلام عمومًا، وهي الفرق بين الملاحظة والاستنتاج. عندما تقرأ تفسيرًا لحلمك، اسأل: هل يستند إلى معلومة قابلة للتحقق، أم إلى رأي لا يمكن اختباره؟ وإذا كنت تبحث عن مفسّر تثق به، فقد يفيدك مقالنا مفسر أحلام موثوق: كيف تتحقق قبل الاتصال بأي رقم منشور؟.
ولمن يريد تدوين رؤياه بدقة، فإن أول خطوة عملية هي الكتابة قبل أن تضيع التفاصيل. يمكنك الاطلاع على كيف أتذكر الأحلام بعد الاستيقاظ؟ خطوات عملية لتدوين حلمك قبل أن ينساه، وكذلك هل تذكر الأحلام يدل على نوم جيد؟ ما تقوله الدراسات وما لا تثبته.
أسئلة مفتوحة تنتظر الأبحاث القادمة
يبقى السؤال الأهم بلا جواب: هل تقترن حركات REM عند العناكب بأحلام فعلًا؟ بحسب ما ذكرته تغطية ScienceDaily، يخطط الباحثون لدراسة أنواع أخرى من العناكب، ومقارنة نومها في المختبر وفي الطبيعة. وهذه الخطوة وحدها قد تكشف إن كان النمط نفسه يتكرر خارج ظروف المختبر.
إن أردت متابعة الموضوع بعد هذا المقال، فاحرص على ثلاثة أمور بسيطة: ابحث عن الورقة الأصلية أو بيان الجامعة، وتحقق هل تضمنت تسجيلًا لنشاط الدماغ، وانظر إلى عدد الكائنات التي شملتها التجربة. بهذه الأسئلة الثلاثة تستطيع أن تفرّق بين خبر يوسّع المعرفة وعنوان يبيع الدهشة.






